السيد محمد حسين فضل الله
108
من وحي القرآن
وتعالى : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ « 1 » . وفي تفسير العياشي عن هارون بن خارجة عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قلت له : إني أفرح من غير فرح أراه في نفسي ولا في مالي ولا في صديقي ، وأحزن من غير حزن أراه في نفسي ولا في مالي ولا في صديقي ، قال : نعم ، إن الشيطان يلمّ بالقلب فيقول : لو كان ذلك عند اللَّه خيرا ، ما أوال عليك عدوك ولا جعل بك إليه حاجة ، هل تنتظر إلّا مثل الذي انتظر الذين من قبلك ؟ فهل قالوا شيئا ، فذاك الذي يحزن من غير حزن ، وأمّا الفرح ، فإن الملك يلمّ بالقلب فيقول : إن كان اللَّه أوال عليك عدوّك وجعل بك إليه حاجة ، فإنما هي لأيام قلائل ، أبشر بمغفرة من اللَّه وفضل ، وهو قول اللَّه الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا . يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ فهو الذي يعطي عباده النعم الباطنة في الوجدان الداخلي للإنسان ، فيلهمه الصواب في الفكرة ، والسداد في الرأي ، والمنهجية في طريقة التفكير ، وفي النظرة إلى الأمور ، وهذا ما تمثله الحكمة في مضمونها الفكري على مستوى المنهج والوسيلة والفكرة ، فيدرس القضايا من خلال سلبياتها وإيجابياتها ومقدماتها ونتائجها والظروف الموضوعية المحيطة بها على مستوى الدنيا والآخرة . ثم يثير أمام الإنسان طريق الحكمة في الحياة في ما تمثله هذه الكلمة من تنظيم أعمال الإنسان وتخطيط أوضاعه على حسب الموازين الدقيقة للأشياء ، بحيث يضع كل شيء في موضعه ، فلا يمنع شيئا ينبغي له أن يعطيه ، ولا يعطي شيئا ينبغي له أن يمنعه ، ولا يضع شيئا موضع شيء آخر ، ولا يزيد ولا ينقص في ما يراد منه التوازن في جانب الزيادة والنقيصة . . .
--> ( 1 ) البحار ، م : 20 ، ج : 58 ، ص : 88 - 89 ، باب : 43 ، رواية : 21 .